أخي الداعية... قبل أن تترجل!!
أخي الذي جملت كلماته آذان السامعين, وأحيت نصائحه قلوب الغافلين, أيّ منزلة قد بلغتها؟! لقد ارتقيت منبر الداعية الأول- عليه الصلاة والسلام- وورثت ميراثه... وها أنت تسير على أثر سيره، قل لي- بربك- ما شعور ذلك الضالّ بعد أن هداه الله على يديك؟! كم دعوة في الأسحار قد دعا الله تعالى أن يجزيك جناته على أن هديته طريق الآخرة؟!
هل تفكرت يومًا في الكمِّ الهائل من الحسنات التي تصل إلى من وفَّقه الله لهداية الناس "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" (حديث شريف).
لقد وقف الناس يدعون إلى الدنيا، ووقفْت تدعو إلى الله والدار الآخرة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
هل شعرت بأنك تتفوَّه بأحسن القول، بشهادة الله تبارك وتعالى, كل هذا وذاك من الخير الكثير، والمرتبة العالية، والمنزلة الرفيعة لمن دعا إلى الله تعالى, لكن هناك شرطًا عظيمًا.. ألا وهو ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي عمل عملاً صالحًا فلم يخالف قوله عمله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: من الآية88).
الداعية الموفق هو من يدعو إلى الله, وعينه تتأمل السماء، يريد الأجر من الله لا من الناس, جاء قوم إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان في إحدى حجراته, فنادوه بأن يخرج إليهم وقالوا له: "إن مدحنًا زين وذمنًا شين"، فقال عليه الصلاة والسلام "ذاك الله" نعم.. ذاك الله الذي إن مدحك فلن يضرك أي ذم.
أيها الداعية: ها أنت سنوات تدعو إلى الله عز وجل, لكن هل علمت فعلاً أنك تدعو إلى الله, قف قليلاً مع هذا الاسم العظيم, أما علمت بأنك تدل الناس إلى الله؟! قل لي بربك كيف حالك أنت مع الله جل جلاله؟ كيف هي صلاتك؟ كيف هو خشوعك؟ هل علمت أنك ومن تدعو معنيون بهذه الآية: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؟! (الأنعام: 62).
أيها الداعية، قبل أن تفكر في النزول من درجات هذا المنبر الشريف, وقبل أن نترك هذا الميراث النبوي، قل لي بربك إلى أين تسير؟! أإلى أحسن من ذلك؟!, فلن تجد أحسن منه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ﴾.. أم إلى أفضل منه وأكثر أجرًا؟! أو ما سمعت قول النبي- صلى الله عليه وسلم: " وإن معلم الناس الخير ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر وحتى النملة في جحرها" (حديث شريف).
أخي، لقد مرت بك أيام أحسست بلذتها في قلبك, وشعرت بسرورها, وكم تمنَّيت أن ترى هذا الدين منصورًا عزيزًا؟, وكأنك بعد طول الأمل, بدأت تحس بفتور في قلبك, وملل في دعوتك، فلا ضير، فإن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة.. لكن إلى أي حد هي هذه الفترة؟, فإن كانت في إطار السنة ولم تدم طويلاً فالحمد لله, وإلا فاستمع أيها العزيز إلى قول الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر:47).
إني أذكِّر نفسي أن يبدو لنا هناك ما لم نكن نحتسب, كلنا يسير في طريق مرسوم ونهايته معلومة، لكن الفرق العظيم هو في المصير الأخروي الأبدي عند دخول الأبرار إلى الجنة.. نسأل الله تعالى أن نكون منهم.. أتركك أيها الداعية؛ تتأمل في هذه الآيات المباركات علَّك أن تعود فتمتطي جوادك، وتجدَّ في سيرك، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور!!.
الخميس، 6 مارس 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق