الخميس، 6 مارس 2008
أخي الداعية... قبل أن تترجل!!
أخي الذي جملت كلماته آذان السامعين, وأحيت نصائحه قلوب الغافلين, أيّ منزلة قد بلغتها؟! لقد ارتقيت منبر الداعية الأول- عليه الصلاة والسلام- وورثت ميراثه... وها أنت تسير على أثر سيره، قل لي- بربك- ما شعور ذلك الضالّ بعد أن هداه الله على يديك؟! كم دعوة في الأسحار قد دعا الله تعالى أن يجزيك جناته على أن هديته طريق الآخرة؟!
هل تفكرت يومًا في الكمِّ الهائل من الحسنات التي تصل إلى من وفَّقه الله لهداية الناس "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" (حديث شريف).
لقد وقف الناس يدعون إلى الدنيا، ووقفْت تدعو إلى الله والدار الآخرة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
هل شعرت بأنك تتفوَّه بأحسن القول، بشهادة الله تبارك وتعالى, كل هذا وذاك من الخير الكثير، والمرتبة العالية، والمنزلة الرفيعة لمن دعا إلى الله تعالى, لكن هناك شرطًا عظيمًا.. ألا وهو ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي عمل عملاً صالحًا فلم يخالف قوله عمله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: من الآية88).
الداعية الموفق هو من يدعو إلى الله, وعينه تتأمل السماء، يريد الأجر من الله لا من الناس, جاء قوم إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان في إحدى حجراته, فنادوه بأن يخرج إليهم وقالوا له: "إن مدحنًا زين وذمنًا شين"، فقال عليه الصلاة والسلام "ذاك الله" نعم.. ذاك الله الذي إن مدحك فلن يضرك أي ذم.
أيها الداعية: ها أنت سنوات تدعو إلى الله عز وجل, لكن هل علمت فعلاً أنك تدعو إلى الله, قف قليلاً مع هذا الاسم العظيم, أما علمت بأنك تدل الناس إلى الله؟! قل لي بربك كيف حالك أنت مع الله جل جلاله؟ كيف هي صلاتك؟ كيف هو خشوعك؟ هل علمت أنك ومن تدعو معنيون بهذه الآية: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؟! (الأنعام: 62).
أيها الداعية، قبل أن تفكر في النزول من درجات هذا المنبر الشريف, وقبل أن نترك هذا الميراث النبوي، قل لي بربك إلى أين تسير؟! أإلى أحسن من ذلك؟!, فلن تجد أحسن منه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ﴾.. أم إلى أفضل منه وأكثر أجرًا؟! أو ما سمعت قول النبي- صلى الله عليه وسلم: " وإن معلم الناس الخير ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر وحتى النملة في جحرها" (حديث شريف).
أخي، لقد مرت بك أيام أحسست بلذتها في قلبك, وشعرت بسرورها, وكم تمنَّيت أن ترى هذا الدين منصورًا عزيزًا؟, وكأنك بعد طول الأمل, بدأت تحس بفتور في قلبك, وملل في دعوتك، فلا ضير، فإن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة.. لكن إلى أي حد هي هذه الفترة؟, فإن كانت في إطار السنة ولم تدم طويلاً فالحمد لله, وإلا فاستمع أيها العزيز إلى قول الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر:47).
إني أذكِّر نفسي أن يبدو لنا هناك ما لم نكن نحتسب, كلنا يسير في طريق مرسوم ونهايته معلومة، لكن الفرق العظيم هو في المصير الأخروي الأبدي عند دخول الأبرار إلى الجنة.. نسأل الله تعالى أن نكون منهم.. أتركك أيها الداعية؛ تتأمل في هذه الآيات المباركات علَّك أن تعود فتمتطي جوادك، وتجدَّ في سيرك، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور!!.
المرأة الداعية كيف تنجح في دعوتها
المرأة الداعية كيف تنجح في دعوتها
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
ففي عصور الإسلام الفاضلة اشتهرت صحابيات وتابعيات ونساء فقيهات عالمات وأديبات وشاعرات حملن لواء الدعوة والعلم وانطلقن ينشرون في أرجاء المعمورة فانتفع بعلمهن الكثير، فكانوا أقمارا وشموسا في سماء الإسلام الساطعة . واستكمالا للمسيرة الدعوية ، نقدم للأخت المسلمة الداعية لمحات يسيرة فيما يجب أن تكون عليه لتنجح دعوتها إلى الله .
1- الداعية الناجحة : تأتلف مع البعيدة وتربي القريبة وتداوي القلوب ،
3- الداعية الناجحة : عرفت الحق فعرفت أهله ، وإن لم تصورهم الأفلام ، أو تمدحهم الأقلام ، قال تعالى : { تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود }
4- الداعية الناجحة : إذا قرعت فقيرة بابها ذكرتها بفقرها إلى الله عز وجل ، فأحسنت إليها ، قال الله تعالى : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }
5- الداعية الناجحة : تعلم أنها بأخواتها ، فإن لم تكن بهن فلن تكون بغيرهن قال تعالى : { سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا }
6- الداعية الناجحة : لا تنتظر المدح في عملها من أحد ؛ إنما تنظر هل يصلح للأخرة أم لا يصلح ؟
7- الداعية الناجحة : إذا رأت أختا مفتونة لا تسخر منها ، فإن للقدر كرات قال تعالى : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } ، وليكن شعارك : ( يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك )
8- الداعية الناجحة : ترعى بنات الدعاة الكبار الذين أوقفوا وقتهم كله للدعوة ، والجهاد في سبيل الله ، بعيدا عن الأهل والبيت قال تعالى : { وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم } وفي الحديث : « من خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا » .
9- الداعية الناجحة : تجعل من بيتها مشغلا صغيرا تنفع به الدعوة ، والمحتاجين ، كأم المساكين ( زينب ) رضي الله عنها .
10- الداعية الناجحة : تعطي حق زوجها ، كما لا تنسى حق دعوتها حتى تكون من صويحبات خديجة رضي الله عنها ، قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم « صدقتني إذ كذبني الناس ، وآوتني إذ طردني الناس ، وواستني بنفسها ومالها ، ورزقني الله منها الولد ، ولم يبدلني الله خيرا منها » .
11- الداعية الناجحة : مصباح خير وهدى في دروب التائهين .. تحرق نفسها في سبيل الله ... « لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم »
12- الداعية الناجحة : تعلم أن مناهجها على ورق إن لم تحيها بروحها وحسها وضميرها وصدقها وسلوكها وجهدها المتواصل .
13- الداعية الناجحة : لا تهدأ من التفكير في مشاريع الخير التي تنفع المسلمين في الداخل والخارج .. أعمالها تظل إخوانها في كل مكان { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون }
14- الداعية الناجحة : تنقل الأخوات من الكون إلى مكونه ، فلا تكون كبندول الساعة ، المكان الذي انطلق منه عاد فيه .. بل تشعر دائما أنها وأخواتها في تقدم إلى الله . { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر }
15- الداعية الناجحة : تشارك بقلمها في الجرائد والمجلات الإسلامية والمنتديات ، تشترك فيها وتقوم على إهدائها للأخوات وإرشادهن إلى أهم الموضوعات . والمقال القصير المقروء خير من الطويل الذي لا يقرأ « أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل »
16- الداعية الناجحة : تحقق العلم على أرض الواقع ، كان خلق الرسول الكريم القرآن ، فهي تعلم أن العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر .
17- الداعية الناجحة : تبحث عن الوسائل الجديدة والمشوقة في تبليغ دعوتها ، ولكن في حدود الشرع وسيأتي الزمن الذي تسود فيه التقنية والمرئيات على الكتب والمؤلفات في اكتساب المعلومات { ويخلق ما لا تعلمون }
18- الداعية الناجحة : لها مفكرة تدون فيها ما يعرض لها من فوائد في كل زمان ومكان " كل علم ليس في قرطاس ضاع "
19- الداعية الناجحة : تعرف في أخواتها النشاط وأوقات الفترة فتعطي كل وقت حقه ، فلنشاط إقبال تستغل ، وللفترة إدبار تترفق بهن « لكل عمل شرة ولكل شرة فترة ))
20- الداعية الناجحة : غنية بالدعوة فلا تصرح ولا تلمح بأنها محتاجة لأحد لقوله تعالى { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا }
21- الداعية الناجحة : تعلم أن المال قوة فلا تسرف طلباتها لكماليات المنزل قال تعالى { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } وتسخر المال في خدمة الإسلام والمسلمين .
22- الداعية الناجحة : تمارس الدعاء للناس ، وليس الدعاء عليهم ، لأن القلوب الكبيرة قليلة كما في قوله صلى الله عليه وسلم « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون )) ، وقد قال تعالى { قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون ، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين }
23- الداعية الناجحة:إذا نامت أغلب رؤياها في الدعوة إلى الله فإذا استيقظت جعلت رؤياها حقائق . قال تعالى :{ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا}
24- الداعية الناجحة : تطيب حياتها بالإيمان والعمل الصالح ، لا بزخارف الدنيا قال الله تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }
25- الداعية الناجحة : عرفت الله فقرت عينها بالله ، فقرت بها كل عين ‘ وأحبتها كل نفس طيبة ، فقدمت إلى الناس ميراث الأنبياء .
26- الداعية الناجحة : لا تعتذر للباطل من أجل عملها للحق ، وهل يأسف من يعمل في سبيل الله ؟ { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض }
27- الداعية الناجحة : تكون دائما على التأهب للقاء الله ، وإن نامت على الحرير والذهب !! { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين }
28- الداعية الناجحة : لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت من متاع الدنيا ولو أعطيت ملك سليمان ، لم يشغلها عن دعوة الله طرفة عين ، قال تعالى { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور }
29- الداعية الناجحة : لا تفكر في نفسها فقط ، بل تفكر في مشاريع تخدم المسلمين والمسلمات ، قال الله تعالى : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون }
30- الداعية الناجحة : تسأل الله دائما الثبات على الإيمان ، وتسأله زيادته ، قال صلى الله عليه وسلم « اسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم »
31- الداعية الناجحة : لا ترجو غير الله ولا تخاف إلا الله . ومتوكلة على الله ، وراضية بقضاء الله .
32- الداعية الناجحة : قرة عينها في الصلاة ، قال صلى الله عليه وسلم « وجعلت قرة عيني في الصلاة »
33- الداعية الناجحة : يجتمع فيها حسن الخلق ، فهي ودودة كريمة جوادة .
34- الداعية الناجحة : تتحمل الأذى من كل من يسيء إليها ، وتحسن إليهم .
35- الداعية الناجحة : العلم عندها العلم الشرعي لا الدنيوي .
36- الداعية الناجحة : أولادها مؤدبون ، دعاة ، قدوة ، تربوا في بيت دين وعلم ، لا يولدون للآخرين الإزعاج .
37- الداعية الناجحة : منارة تحتط لنفسها في مجال النسوة ، وفي غاية الأدب والتحفظ ، وهي صادقة في أخلاقها .
38- الداعية الناجحة : منضبطة تعرف متى تزور ومتى تزار ، حريصة على وقتها ليست بخيلة بزمانها ، وليست ثقيلة فتمل ، ولا خفيفة فيستخف بها .
39- الداعية الناجحة : لا تنس الفقراء وهي تلبس ، ولا تنسى المساكين وهي تطبخ ، ولا تنسى الأرامل وهي تشتري حاجياتها ، ولا تنسى اليتامى وهي تكسو عيالها ، قال تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }
40- الداعية الناجحة : تسعى على تزويج أخواتها في الله ، لأنها تعلمت من حديث النبي صلى الله عليه وسلم « أن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا » ، فلا تترك أخواتها للهم والوحدة والأحزان ، ولا تهدأ الأخت حتى يتم لأختها الخير والسعادة .
41- الداعية الناجحة : إن وقع عليها بلاء كغضب زوج ، أو إيذاء جار ، تعلم أن ذلك وقع لذنب سبق فعليها التوبة والاستغفار .
42- الداعية الناجحة : تصبر على الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتصبر على إصلاح عيوب أخواتها ، ولا تتعجل ولا تظن بأحد الكمال ، بل تنصح بلطف وتتابع باهتمام ولا تهمل .
فنسأل الله أن يوجد في أخواتنا وبناتنا مثل هذه الداعية الدرة الثمينة . إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم .
الأربعاء، 30 يناير 2008
صلاة الفجرمقياس حبك لله
صلاة الفجر هي مقياس حبك لله عز و جل : إن الكثير من المسلمين في هذا العصر أضاعوا .. صلاة الفجر .. وكأنها قد سقطت من قاموسهم .. فيصلونها بعد انقضاء وقتها بساعات بل يقوم بعضهم بصلاتها قبل الظهر مباشرة ولا يقضيها الآخرون .. إن الإنسان منا إذا أحب آخرا حبا صادقا .. أحب لقاءه .. بل أخذ يفكـّـر فيه جل وقته .. وكلما حانت لحظة اللقاء لم يستطع النوم .. حتى يلاقي حبيبه .. فهل حقا أولئك الذين يتكاسلون عن صلاة الفجر .. يحبون الله ؟ هل حقا يعظّمونه ويريدون لقاءه ؟
- دعونا نتخيل رجلا من أصحاب المليارات قدم عرضا لموظف بشركته خلاصته : أن يذهب ذلك الموظف يوميا في الساعة الخامسة والنصف صباحا لبيت المدير بهذا الرجل ليوقظه ويغادر ( ويستغرق الأمر 10 دقائق ).. ومقابل هذا العمل سيدفع له مديره ألف دولار يوميا .. وسيظل العرض ساريا طالما واظب الموظف على إيقاظ الثري .. ويتم إلغاء العرض نهائيا ومطالبة الموظف بكل الأموال التي أخذها إذا أهمل ايقاظ مديره يوما بدون عذر ..
إذا كنت أخي المسلم في مكان هذا .. هل ستفرط في الاتصال بمديرك ؟ ألن تحرص كل الحرص على الاستيقاظ كل يوم من أجل الألف دولار ؟ ألن تحاول بكل الطرق إثبات عدم قدرتك على الاستيقاظ إذا فاتك يوم ولم تتصل بمديرك ؟
ولله المثل الأعلى .. فكيف بك أخي الكريم .. والله سبحانه وتعالى رازقك وهو الذي أنعم عليك بكل شيء .. نعمته عليك تتخطى ملايين الملايين من الدولارات يوميا فقد يقول تعالى : "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " .. أفلا يستحق ذلك الإله الرحيم الكريم منك أن تستيقظ له يوميا في الخامسة والنصف صباحا لتشكره في خمس أو عشر دقائق على نعمه العظيمة وآلائه الكريمة ؟
ثواب صلاة الفجر وركعتا الفجر هما السنة القبلية التي تسبق صلاة الفجر , وهي من أحب الأمور إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". وفي رواية لمسلم ( لهما أحب إلي من الدنيا جميعها ) ، فإذا كانت الدنيا بأسرها وما فيها لا تساوي في عين النبي صلى الله عليه وسلم شيئا أمام ركعتي الفجر فماذا يكون فضل صلاة الفجر بذاتها ؟
لن يلج النار : وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من حافظ عليها وعلى العصر دخل الجنة وأبعد عن النار فقد روى البخاري ومسلم قوله صلى الله عليه وسلم " من صلى البردين دخل الجنة " وقال صلى الله عليه وسلم " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " . والبردان هما صلاة الفجر والعصر ,"
قرآن الفجر : يقول تعالى " وقرءان الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " وقرآن الفجر هو صلاة الفجر التي تشهدها الملائكة , وقد فصل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل , وملائكة بالنهار , ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر , ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلّون وأتيناهم وهم يصلّون ، فما أسعد أولئك الرجال الذين جاهدوا أنفسهم , وزهدوا بلذة الفراش ودفئه , وقاوموا كل دوافع الجذب التي تجذبهم إلى الفراش , ليحصلوا على صك البراءة من النفاق , وليكونوا أهلا لبشارة النبي صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة , ولينالوا شرف شهود الملائكة وسؤال الرب عنهم . ولعظمة الفجر أقسم الله فيه إذ قال " والفجر وليال عشر
أخي المسلم- لشهود هذه الصلاة التي تجدد الإيمان وتحيي القلوب ، وتشرح الصدور ، وتملأ النفس بالسرور ، ويثقل الله بها الموازين ويعظم الأجور.أخي المسلم : إن لذة الدقائق التي تنامُها وقت الفجر لا تعدل ضَمّةً من ضمّات القبر ، أو زفرة من زفرات النار، يأكل المرءُ بعدها أصابعه ندماً أبد الدهر ، يقول : ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت) .فتباً للذة تعقب ندماً ، وراحة تجلب ألماً.
أيها الأخ الفاضل : تذكر نعمة الله التي تتوالى تباعاً عليك وانظر في حال قوم ينام أحدهم ورأسه مثقل بالهموم والأحزان وبدنه منهك من التعب بحثاً عن لقمة يسد بها جوعته ، يستيقظ صباح كل يوم إما على أزيز المدافع ، أو لفح البرد أو ألم الجوع ، وحوله صبية يتضاغون جُوعاً ، ويتلَّوون ألماً ، وأنت هنا آمِنٌ في سِرْبِك ، معافىً في بدنك ، عندك قوتُ عَامِك ، فاحذر أن تُسلبَ هذه النعمة بشؤم المعصية ، والتقصير في شكر المنعم جل وعلا.
أخي : هل أمنت الموت حين أويت إلى فراشك ، فلعل نومتك التي تنامها لا تقوم بعدها إلا في ضيق القبر.فاستعد الآن ، مادمت في دار المهلة ، وأعد للسؤال جواباً ، وليكن الجواب صواباً.نسأل الله أن تكون ممن يستمعون الحق فيتبعون أحسنه ، وأن يختم لنا ولك بخاتمة السعادة ، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته
انتهى عهد الراحة يا مسلمون!
وهذا التفكير أصابنا أثرُه من المنهج المادي في تفسير الأمور، ونسينا عُنصر التقوى الذي يسبق هذا كله، والذي قال الله عن نتائجه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: من الآية96) وأهملنا قول ربنا: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ (الجـن:16)، وقول رسول الله <": لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (أخرجه البخاري)
أعلم أن بعض الذين يتربصون بهذه المعاني من أصحاب التفكير المادي سيقولون: ما هذه (الدروشة)؟ وما هذه السفسطة؟ بل ما هذه (التخاريف) ونحن في زمان سبقَنا غيرُنا ليس بهذا التفكير الساذج ولكن بإعمال العقل وإطلاق الفكر وإبداع الفن والاستغراق في العلم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ونحن ما زلنا نريد أن نعود إلى الخيام والجمال، وفي الحقيقة هذا أحد أمرين لا ثالث لهما: إما لون من ألوان الخداع والتضليل وتلبيس إبليس، وإما جهل بالبدايات الواجبة التي تتيح هذا التقدم العلمي والتكنولوجي في سائر أنواع أنشطة الحياة مرتبطة بتصورنا واعتقادنا الإسلامي.
فقبل هذه الاختراعات وقبل العلوم والأعمال، وقبل هذا التقدم الذي حدث في زماننا كان هذا العقل الذي فكر، فالقضية التي نحن بصددها ليس في التقدم العلمي والتكنولوجي فالمسلمون أولى الناس بذلك، ونعلم جميعًا أن العالم انحطَّ بانحطاط المسلمين، فليس هذا موضع النقاش، فالعمل عندنا عبادة، وإذا نقص في مجتمع المسلمين لا أقول قاطرة أو باخرة بل (إبرة) خياطة لم يصنعها مجتمع المسلمين فجميع المجتمع آثم حتى يتعلم عدد من المسلمين هذه الصناعة ويكْفوا المجتمع، هذه من البديهيات التي يعرفها المبتدئ في تعلُّم الفقه الإسلامي.
وكيف لا ندعو إلى التقدم والتعلُّم وأول آية نزلت على رسول الله< قول ربنا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العلق:1)، ثم أقسم- سبحانه- بمادة العلم وهو القلم الذي يسطر نتاج التفكير العقلي فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم:1) وآيات الله المبثوثة في الكون دعانا ربنا للتفكير فيها... ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:43)، وهو سبحانه القائل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية105).
• صياغة العقل أولاً:
فالعبرة في العقل الذي يفكر، فهؤلاء صاغوا عقولهم صياغةً ماديةً فكان ثمرة ذلك حنظلاً، ونحن ندعو إلى صياغته صياغةً إسلاميةً؛ ليكون ثمرته حلوةً طيبةً، فالمسلم يشعر بطبيعة ما يحمل من أمر عظيم ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً﴾ (المزمل:5) هذا هو بداية تشكيل العقل ليفكر تفكيرًا سليمًا ليعمِّر كونه ويحقق حضارته، وهي بداية ينتهي عندها الترف العقلي والعلم النظري، بل والهياكل والأشكال، ويبدأ في بداية مرحلة شاقة جهادية، ولذلك يقول لنفسه: "انتهى عهد الراحة، وبدأ عهد الحياة العالية الغالية في سبيل مرضاة الله، عهد المشقة والتعب والمعاناة والجهاد، عهد السفر إلى الله، وهذا ما قاله رسولنا < للسيدة خديجة حين أمره ربه بقيام الليل والإنذار " .
إنها فترة البناء والتكوين، فهو إذا فرغ من التبليغ نهارًا، ثم جن عليه الليل فلا نومَ ولا راحةَ، ولكن كما خاطب القرآن رسولنا <: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (الشرح:7) أي قم لله واقفًا منتصبًا بين يديه، قائمًا ليله مستغفرًا متزودًا لليوم الذي يليه، بكل رغبة وحب، إقبال على الله تعالى:﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ﴾ (الزمر:9).
فلابد أن يحس المسلم الصادق- قبل أن ينطلق مُبدعًا ومُعلمًا أو مخترعًا صانعًا أو زارعًا حاكمًا أو محكومًا- بهذا الشعور "انتهى عهد الراحة"، فلا يعرف رحرحة ولا راحة، ولا جدلاً ولا ترفًا فكريًا، ثم نومًا ودعةً كالجعزري الجواظ الصخاب بالأسواق، ميتًا بالليل حمارًا بالنهار، عالمًا بأحوال الدنيا جاهلاً بأحوال الآخرة، يحيا كما يحيا عباد الدنيا وعشاقها، فلا يعرف إيمانًا يطمئن القلب ولا أخوَّةً إسلاميةً تشدّ الأزر، ولا قُربى من الله يستلهم بها الصبر على الطريق، ولا نية في الأفئدة تجعل كل خطوة من خطواته ينال بها الأجر، ولا يومَ آخِر ينادي فيه المنادي ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر:16،17).
إن النفوس تحتاج إلى تزكية، والتعامل معها يحتاج إلى تربية إيمانية لتحقيق هذا الشعور "انتهى عهد الراحة"؛ لأن المشروع الحضاري الإسلامي قبل أن يحتاج إلى جهود بشرية مادية- وهذا حق- يحتاج إلى النفوس الكبار والهمم العالية التي لا تكترث بشيء من جواذب الأرض وشواغل العيش، الني تهتم بأمر واحد تردده دائمًا "إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبال".
ولا يتحقق ذلك إلا بأمرين:
أولاً: نجاح الزاد الرباني والثبات عليه والذي يبدأ بـ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (المزمل:2).
ثانيًا: نجاح الحركة والنشاط ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر:2).
• ماذا يريد ربنا منا؟
يريد المولى رجلاً تسبق كلمته دمعته، ويسبق عقله- الممتلئ بالثقافة والعلم المجرد- فؤاده وقلبه المفعم بالإيمان، رجلاً تواضع فنظر نظرة الأب الحاني على أبنائه، نظرةَ المعلم المتواضع إلى المتعلم، نظرة الحاكم الشفوق على محكوميه، فهذا هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهظ، والجهد المرير، إنه عصب الدعوة، والنور الذي يبدد ظلمات الشبهات، والزاد الذي يُلجم الشهوات، ويقتل الأَثَرة، وينظم نُكران الذات، ويدفع إلى عمل جاد مخلص، ويربط الإنسان بخالقه.
إن الذي يعيش في هذه الدنيا لمصالحه، يعيش لنفسه وما يعود عليه هو بالنفع.. يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا؛ لأنه لا يعيش لمبدأ ولا يُضحي لقيمة، ولا يستعلي على شهوات نفسه، أما الكبير الذي يحمل هذا العبء فلا وقت عنده للنوم أو الترف أو الراحة، ولهذا كله سمعنا رسول الله < يقول هذه المقولة للسيدة خديجة- رضي الله عنها: "مضى عهد الراحة يا خديجة"، إنه الإعداد للمهمة الكبرى بهذا المنهج الرباني.
إن الأمر كما رأيت لابد أن يبدأ من داخلك ثم بحسن التخطيط والتنظيم والإدارة والبرمجة، فنحن لا ندعو إلى إهمال هذه الأشياء، فإهمالها إهمال للأخذ بالأسباب وذلك إثم عظيم؛ لأنه مطلوب وواجب، فهل ينتهي المرجفون في المدينة حين يضللون الناس ويتكلمون عن المظهر ويسخرون من المخبر؟ فهل هم منتهون بعد التبيان والتوضيح والتأكيد على تصورنا الإسلامي الرباني الذي... ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍٍ﴾ (فصلت:42).
يا أخى اركب معنا ولا تكن من الغارقين
وحدث أن سمح للدنيا أن تدخل قلبه؛ ظانًا أنها ستدخل لدقائق ثم ترحل، ولكنها سرعان ما أذاقته بردها، ونفضت غبار الجهاد عنه، فاستسلم لها!! فأمدَّته بالمال فازداد استسلامًا، وأراحته من بعض هموم دعوته فمنحها أكثر وأكثر من الاهتمام بها والانزلاق في وحلها. فقدتُه زمنًا!! أبحث عنه في صلاة الفجر فلا أجده !! وأتفقده في جلسات الإخوان فأفقده..!!
وأحاول أن أستحضر صورته في ورد الرابطة فتهرب مني..!!
إلى أن رأيته ذات يوم، لكن بهيئة غير الهيئة.. فلا نور يكسو الوجه كما كان، ولا ذكرَ لله- على مدار ساعة جلسناها- عطَّر جلستنا، وهو الذي كان يوقظني بهاتفه في الثلث الأخير من الليل بصوتٍ فيه بقية دموع، قائلاً: يا أخي.. دقائق الليل غالية فلا تضيعها في الغفلة.
المهم رثيت لحاله، وقلت له: متى نظرت في المرآة لآخر مرة؟
فقال اليوم صباحًا، فقلت ليس مرآةَ حجرةِ النوم أعني!! ولكن مرآة الدعوة، أي متى عرضت نفسك على صورتك الأولى التي تعرفها آخر مرة؟! فسكت، وطأطأ رأسه، وهمَّ أن يقوم، فأمسكت بذراعه وأجلسته، وقلت له: أخَجَلاً من حالك أم رفضًا لما أقول؟!
فبكى بكاءً ذكَّرني بعينيه اللتين كانتا دائمة اللمعان من كثرة البكاء من خشية الله، ثم قال: تخيَّل أنك أول أخٍ يهز قلبي هذه الهزة العنيفة، تخيَّل أنني كدت أموت وإخواني يرونني على هذه الحال ولا يصرخون فيَّ؛ لينقذوني من الغرق والهلاك.
ثم علا صوت بكائه، وهو يقول: آهٍ وألفُ آهٍ على إخوانٍ مثلي؛ استهوتهم الشياطين وشغلتهم الدنيا، ولم يصرخ في آذان قلوبهم أحدٌ.. حتى إخوانهم الذين كانوا يعدونهم للضراء قبل السراء، ثم ارتمى في حضني فبكى وأبكاني، ثم احتضنني بشدة وكأنه يتمسك بي ويتعلق من شيءٍ يجذبه بشدة، أحسبها الدنيا التي كادت أن تقتله، فازددتُ لهفةً عليه واحتضانًا حتى هدأَ روعه وسكنت ارتعاشة جسده.
ثم قام وهمَّ بأن ينصرف فقلت له إلى أين؟! فقال إلى إخواني الذين ذاقوا حلاوة ما ذقنا ثم هجروا.. إلى فلان وفلان الذين غرَّهم مال التجارة، وشغلهم مستقبل الولد، وإسعاد الزوجة، وتراكُم الأرصدة، فنسوا لآلئ الجنة ورفقة النبي < وصحبه؛ لأصرخ فيهم كما صرخت فيَّ، لأقول لكل واحد فيهم.. يا أخي اركب معنا ولا تكن مع الغارقين، ثم انصرف.
وتذكرت ساعتها على الفور قصة عمر بن الخطاب عندما ذُكر له أن صاحبًا له ضلَّ بعد هداية، وبُعد بعد قرب حتى أسرف على نفسه، فكتب عمر رسالةً فيها "بسم الله الرحمن الرحيم "تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ" (غافر:1-2) فلما وصلته أخذ يقرؤها ويبكي، وهو يقول: غافر الذنب وقابل التوب، ويكررها مرارًا، ثم صلح حاله، فلما بلغ عمرَ أمرُه قال: هكذا فاصنعوا مع إخوانكم إذا تغيَّرت أحوالهم.
تُرى كم من أخٍ غيرته الدنيا، وغرته الشياطين، لكن وراء هذا الحال المتغير والنفس المنهكة قلبٌ مفعم بحب الدعوة وعشق الإخوان، ينتظر أن يمر عليه أحد أصحاب سفينة النجاة ليقول له: يا أخي.. اركب معنا ولا تكن مع الغارقين، أو رسالة كرسالة عمر، تصرف بها الدنيا والشياطين عن قلب أخيك، فتعيده لصفوف الحق راشدًا، لقد كان يومًا ما شريكك في مائدة الكتيبة ورفيقك في أسرة الإيمان.. فهل تدركه؟! قم الآن.. وارتد ملابسك.. واخرج إليه فهو ينتظرك.. فلا تخذله.
أبناء الدعوة بالنسب وأبناؤها بالتبني
يشعر في قرارة نفسه أنه ابن الدعوة الوحيد، وكأنها لم تُنجِبْ إلا هو؛ فهو في المسجد يجمع الناس على الخير، وفي العمل له في قلب كل صاحب له مكان، يعود المريض، ويواسي المجروح، وينصح المخطئ في رفق، وهو بين أهله مصباح البيت، وعافية البدن، وشمس النهار، وللدعوة في قلبه كرسي الملك، نهاره في أمورها، وليله مشغول بها وفيها، جسده بين أهله، وعقله مع الأمة الجريحة، يفكر في أمر شبابها وشيبها، ونسائها وأطفالها، وما يحيط بهم من فتن يدبرها شياطين الإنس والجن..!!
كم بكى ليالي لفلان العاصي، وعلان الشارد، وفلانة الهائمة على وجهها، ناسيةً ربها، ناكبة طريقه!! كم اعتل بدنه من غير علة، وما به من علة إلا جرح المسلمين الغائر من كل منطقة من جسده، دماء المسلمين تنزف من جسده، وتأوهات اليتامى والثكالى تخرج من قلبه، وبيوتهم تُهدم فوق رأسه، يجوعون فيجوع، ويشبعون فيشبع، ماله للدعوة، ووقته للدين، ومع ذلك يقول ما قاله أويس القرني- رحمه الله- بعد أن تصدق بكل ما يملك.. من مال، وطعام، وثياب، حتى جلس في بيته عريانًا.. ثم قال: "اللهم.. أبرأ إليك من كل كبد جائع من أمة محمد في أي مكان" .
ذلك هو ابن الدعوة بالنسب، وحقَّ لمثله أن يفتخر بهذا النسب العظيم، الذي حرم منه الملايين وإن ادعوه ونسبوا أنفسهم إليه.
أما ابن الدعوة بالتبني فيعجبك رسمه ومنطقه ورونقه، لكن ما إن تصحبه أيامًا إلا ويتبين لك انطفاءُ نورِ الوجه أو خفوته؛ جرَّاء تركه لأوراده وأذكاره، يُثبت لنفسه الأخلاق باللسان والواقع ينفيها بألف دليل وبرهان، الدعوة حاضرةٌ في كلامه غائبةٌ في أفعاله، ألِفَت نفسُه القعود، وتعوَّد قلبُه الركود؛ فلم يحرك فيه ساكنًا ضياعُ الشباب، ولا سفكُ الدماء، ولا تنكيسُ رايات الحق، وعلوُّ رايات الباطل في كثيرٍ من الميادين..!!
إن قيل له أدرِك مالَك هرع وأسرع، وإن قيل له أدرِك دينَك ودعوتَك كأن لم يسمع، ليله رقاد، ونهاره غفلة، وكأن بينه وبين آهات المعذبين وصرخات المكلومين آلافَ الحُجُب، لا يروعه خلوُّ مسجده من لمسات الدعاة، أو فراغُ حيِّه من آثار الهداة، تمتلئ المواخير بالفجار، وتفرغ المساجد من الأطهار، ويهجم الباطل على الحق في بيته وشارعه وعمله ومجتمعه ولا يهتم، ثم يقول لك أنا ابن الدعوة، ونسي هذا المسكين أن النسب له قرائن، وأن التبني حرام في الإسلام، فنسبته للدعوة باطلةٌ حتى وإن اقسم ألف يمين.
فكلٌ يدَّعي وصــلاً بليلى وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكَ
إذا اشتبكت دموعٌ في جفونٍ تبيَّن من بكى ممن تباكى
فأدرِك نفسك يا ابن الدعوة، وحقِّق القرائن تظلَّك الدعوة بظلِّها، وتحضنْك مع أهلها.. يوم لا ينفع إلا العمل.